تعزية

تعزية

بسم الله الرحمن الرحيم
{ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا }..

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره أنعي بالنيابة عن كل كوادر حزب الجبهة الوطنية بمزيد من الحزن والأسى إلى الشعب الليبي وإلى كافة الرفاق في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وفاة المغفور له بإذن الله تعالى ( الأستاذ محمد هابيل ) أحد رجالات الوطن الذين أسهموا في مشوار بناء دولة ليبيا وأحد مؤسسي الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا ومن رجالها الأفذاذ الذين ساهموا في كل برامجها وكان عضوا بلجنتها التنفيذية ورئيسا لمكتبها في بريطانيا وكان بحق أحد مشائخها وأعيانها.

وقد لقى الفقيد ربه في مدينة لندن بعد صراع طويل مع المرض وقد قضى جل عمره رحمه الله في جهاد مستمر من أجل ليبيا وانقاذها ومن أجل مقارعة الظلم والاستبداد.

لقد وافت المنية المغفور له في المهجر وهو يتحرق شوقا إلى أن يرى ليبيا وقد عمها السلم والسلام ، وقد ارتفعت فوق أرضها رايات الحق والعدل والأمن والرخاء والخير ، ولكن شاءت إرادة الله أن يغادر فقيدنا الغالي ولم يتحقق أمله وحلمه في أن يرى ليبيا كما أردناها وتمنيناها…. فله ولكل رجالات الوطن الأشاوس الذين غادروا هذه الحياة ولم يكتب لهم أن يشهدوا ذلك اليوم.

إليهم جميعا نجدد العهد في المضي قدما في طريق العمل على بناء دولة ليبيا المستقلة الموحدة ، الدستورية والديمقراطية ، الآمنة المستقرة.

ونتقدم إلى كافة أسرة هابيل في مدينة درنة والمهجر وإلى أصهاره آل شبش في بنغازي وإلى كافة رفاقه بأحر التعازي ضارعين إلى الله تعالى أن يتغمد الفقيد برحمته الواسعة، ويسكنه فسيح جناته، وأن يلهمنا وذويه جميل الصبر والسلوان .
{ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }..

عبدالله جودات الرفادي / رئيس حزب الجبهة الوطنية

ليبيا الوطن ورسالة لم تر النور

كنت قد عدت إلى ليبيا بعد اندلاع ثورة فبراير المجيدة، وكنت لم أبرأ بعد من آلام الغربة وقسوة المنافي وعذابات البعد عن الوطن. فوجئت بشباب اعتزموا إصدار صحيفة باسم (ليبيا الوطن)، طلبوا مني أن أشارك بالكتابة في صحيفتهم. هيجوا في نفسي كوامن كثيرة، فكتبت لهم رسالة أردتها أن تكون مساهمتي الأولى معهم. لكن ظروفا كثيرة حالت دون أن يرى العدد الأول من صحيفتهم النور، فبقيت هذه الرسالة طي ملفات الحاسوب ولم تر هي الأخرى النور. بعد مرور أكثر من سنة ونصف وجدت هذه الرسالة تشتكي الإهمال في أحد ملفات الحاسوب، فرايت أن أستجيب لشكاتها وأنشرها كما هي دون أي تعديل.
بسم الله الرحمن الرحيم

الإخوة الأعزاء في صحيفة “ليبيا الوطن”
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أسأل الله العلي القدير أن تصلكم رسالتي هذه وأنتم على جميع ما أتمناه لكم من خير وصحة، كما أسأله تعالى أن يعجل بفرجه ويحقق رجاءنا وآمالنا بنصر قريب مؤزر.

سعدت باستلام رسالتكم الكريمة، وعلى الأخص سرني اعتزامكم إصدار صحيفة تحمل اسم “ليبيا الوطن”، فالاسم يحمل كل المدلولات التي تربط الإنسان بتلكم الأرض الطيبة؛ فليبيا اسم علم يدل على تلك البلاد التي نرتبط بها وتضمنا في حضنها ويكتنفنا هواؤها ونأخذ منها هويتنا، وهي قد عانت ما عانت خلال الأربعين سنة الماضية من غربة عن أبنائها، كما عانى الأبناء من غربة عنها حتى وهم يعيشون على أديمها، فما بالكم بغربة من اضطر إلى حياة المنافي وديار الهجرة!! .. أما الوطن فهو ذلك الوكر الذي نعيش فيه، يضمنا بحنو ونشعر براحة وأمن في إطاره، ويقع علينا واجب حمايته ورعايته، هذا الوطن بمكوناته افتقدناه خلال العقود الأربعة الماضية، ونعمل على استعادته منذ السابع عشر من فبراير.
وقد توقفت طويلا أمام عبارة “ليبيا الوطن” وتساءلت هل هما مترادفان .. أم أنهما اسم وصفة … لكنني فضلت أن أغادر أطر اللغة والنحو إلى رحاب أوسع، فأجد أنهما اسمان لشيء واحد .. وكل منهما لا يغني عن الآخر… وكل منهما له موقع في القلب والحواس .. فهنيئا لصحيفتكم بهذا الاسم.
وسرني أيضا صدور مثل هذه الصحيفة بما رسمتموه لها من أهداف وغايات لخصتموها في (تعريف الناس بتاريخ ليبيا الصحيح ولما يقع على عاتقنا من توخي الدقة في عرضه ومنهجيته وتقديم الأنـاس الوطنييـن الصالحين للمجتمـع)، وهو مرتقى عالى ومبتغى ينبغي أن نتعاون جميعا في تحقيقه. فالتاريخ بأحداثه وحوادثه، وبشخصياته ينبغي أن يصان من العبث والتزوير، وأن يتم إحياؤه بحفظه وتوثيقه وكتابته؛ حتى يمكن للأجيال أن تستفيد من مخزونه الهائل من الدروس والعبر، وأن تستمد أقباسا من المواقف والذكريات تستعين بها في تبيين الطريق ومواصلة المسير.
دراسة التاريخ وكتابته وتذكره لا بد أن يستتبعها أمر آخر لا يقل أهمية، وهو استشعار معاني الوفاء لكل أولئك الذين سطروا صفحات الفخار في التاريخ وإيفائهم حقهم غير منقوص من التكريم والتبجيل، وفي الوقت نفسه ينبغي عدم نسيان أولئك الذين أساؤوا وخانوا وأجرموا والحرص على وضعهم في الخانة التي يستحقونها من الازدراء والتحقير. بدون ذلك لا يمكن غرس معاني حب الوطن في النفوس، ولا يمكن التفريق بين فضيلة التفاني في خدمة الوطن والدفاع عنه وبين رذيلة خيانة الوطن والتفريط فيه.
وكم أسعدني أن تكون البيضاء وشحات منطلقا لهذا العمل، فنحن في حاجة ماسة إلى تجاوز المركزية الثقافية إلى رحابة انتشار الثقافة في كل مدننا وقرانا.
لقد كانت البيضاء منارة للإشعاع بزاويتها الأولى التي كانت حجر الأساس الذي انبنى عليه صرح عظيم انتشر إشعاعه فعم ليبيا وما جاورها من البلاد، تلك الزاوية البيضاء التي كانت نواة للجامعة الإسلامية؛ التي نهل منها طلاب العلم من كل أقطار الأرض، وكأنني أسمع أصداء أصوات طلاب تلك الزاوية الشامخة يتلون آي القرآن الكريم .. كان السامعون لهم –آنذاك- يصفون أصواتهم بأنها كأزيز النحل، وقبل ذلك وبعده عُرفت البيضاء بالصحابي الجليل سيدي رويفع بن ثابت الأنصاري الغازي في سبيل الله وراوي الحديث.
ولقد كانت شحات (قورينا) عاصمة للمدن الخمس أيام الإغريق، وبثت إشعاعها بمفكريها وفلاسفتها العظام، واستمرت لتكون منجما لا ينضب لنفائس الآثار وكنوز التاريخ. وهي أيضا لها زاويتها المطلة من شاهق على سفوح الجبل الأشم .. تتبدى للناظر منها “بساتين الدبادب” وسهول “الوسيطة” وشطآن سوسة. زاوية شحات زاحمت معبد أبولو وآثار الإغريق، وشهدت تحلق الطلاب حول فقيههم العتيد …
ولقد كانت البيضاء ومسه وشحات والفايدية والصفصاف والأبرق واسلنطه وما جاورها مسرحا لكثير من معارك الجهاد ضد المستعمر، معارك ما زالت في الذاكرة الوطنية، وما زالت ذكريات “الأدوار” “والمحافظية” تثير كوامن العزة والفخار، وما زالت آثار القادة الكبار من أمثال عمر المختار وحسين الجويفي وحمد بوخيرالله وقطيط الحاسي والفضيل بوعمر الأوجلي وغيرهم كثيرون… ما زالت آثارهم مخطوطة ومسجلة فوق الروابي والسهول والوديان.
منطقة تحوي عبق التاريخ وذكريات الجهاد … ما زالت أصداء سنابك خيل المجاهدين تتردد في الفضاء الرحيب .. ورائحة المعارك مازالت تخالط أنفاس الزهيرا والشيح والشماري والزعتر .. اندثرت نبتات السلفيوم .. لكن شجيرات البطوم والشعرا وأشجار الصنوبر والأرز والصفصاف ما زالت تقاوم الاندثار … وتحكي قصصا وحكايات .. تتحدث هامسة أحيانا ومدوية أحيانا أخرى .. عن ذكريات كانت شاهدة عليها … عن مجاهد تمترس هناك .. وعن مزارع شق طريقه بينها يحمل محراثا أو منجلا.. وعن راع مر يسوق شياهه بحثا عن مرتع .. وعن حطّاب يحمل فأسه المخيف القاسي … وعن حطّابةٍ تحمل فوق رأسها ضمةً من الحطب وهي ترتجز أشعار الاجداد عائدةً مع قريناتها الي النجع .. وعن صحاب كانت لهم بينها “زردة” .. تحدثك الغابات عن مزمار اختبأ عازفه .. يُسمع الكون لحنه ولا يريد لأحد أن يراه .. وعن غناوة “علم” ترددت أصداؤها في الوديان بين الجبال و في ثنايا عاطفةِ المستمع واختفي صاحبها بين الاشجار وطلاسم الغناوةُ … خلّد التاريخ الكلمات والمعاني واللحن وظل صاحبها في طي المجهول … رمزية ثقافية تاريخية لا ينبغي أن نخطئها… فهل ما زالت تلكم الرمزية قائمة .. أم أنها أضحت من الماضي .. من التاريخ!!
تشتكي الأشجار عطشها، فتحدثك عن شقيقاتها التي تيبست بعد أن جفت كثير من الينابيع والمعاطن والسواقي،… جفت تلكم الينابيع وبقيت آثارها تحكي تاريخا … كان خرير مياهها يشنف الآذان .. ويداعب الأحاسيس .. كانت عين شحات .. والحفرة .. وبلقس .. والجبارات .. والجرسون .. والسليون … وتلغزة … كانت نبض حياة .. وصفحات تاريخ .. كم عند تلك السواقي اجتمع الناس .. لورود الماء .. ولسقي الماشية .. أو لمجرد الالتقاء … كم من المطارحات البريئة تمت على أنغام وترانيم المياه .. كم اختصم أناس حول المياه .. وكم جمعت المياه الناس حولها… ولكن هل جفت تلكم الينابيع حقا؟ وهل انتهى ذكرها؟ … وكيف تنتهي .. وكيف تجف وقد أحيتنا بمائها الرواق العذب … وكانت جزءا من دمنا .. ومن تاريخنا!!
عفوا على الاسترسال .. لكنكم حركتم كوامن خبأتها أكثر من ثلاثين عاماً من الزمن .. كوامن من الغربة والألم .. وشجون من الحنين والشوق .. لقد أثرتم ذكريات كانت وما زالت تعصف بي أحيانا، وتداعبني أحيانا أخرى …. تستثير الدمع من المآقي تارة … وترسم ابتسامة باهتة تارة أخرى…. ليس هناك أحر من الحنين إلى ليبيا الوطن، فكيف لا ألبي دعوتكم الكريمة، وقد جاءتني باسم “ليبيا الوطن” ومن شبابٍ ثائر .. ثار و بذل الغالي و الرخيص من اجل ليبيا …. ليبيا الوطن.
…. نعم ألبي وأمد لكم يدي وبكل تواضع وامتنان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إبراهيم عبدالعزيز صهد
كُتبت في بنغازي، بتاريخ 3 أغسطس 2011